
الحاج محمد سيدي علي شيخ
(2020 — 1934)
المصلح المُربي الحاج محمد سيدي علي شيخ
زاوية الحاج عَمّاري
هو محمد سيدي علي بن عمار بن سيدي علي بن محمد بن سيدي علي ينتهي نسبه إلى الحاج اعمر بن الحاج امحمد العزاوي دفين قصر عزي كما ينتهي نسب أمه علو بنت عبد الرحمن بابكر إلى سيدي بابا عبد الرحمن والحاج ‑دفين قصرتيط- بن سيدي الحاج امحمد دفين قصر عزي.
وُلِد بقرية إينغر عام 1355هـ الموفق لعام 1934م ففتح عينيه على الحياة وهو بين زاوية أبيه الحاج عماري ومدرسة شيخه العالم الجليل الشيخ سيدي أحمد بن سيدي علال الوادي الذي درس على يديه القرآن وعلوم الدين واللغة فكان يتلقى تكوينا عِلْمِيّاً وعَمَلِيّاً بين المدرستين حيث هناك شيخُه وخالته فاطمة الزهراء بابكر وهنا والده ووالدته علو بابكر فنشأ نشأة علم وعمل وصلاح وتَرَبَّى على خدمة الضيف ورعاية شؤون الزاوية حريصاً على راحة عُمّارها وزائريها ولما كان والده مقصودا في حل الملمات الاجتماعية والاقتصادية لما عُرِف عنه من الحكمة وسداد الرأي وصواب التفكير والسخاء وسد الخلل وإغاثة الملهوف فقد اتّخذه ساعداً أيْمَنَ له لكونه البكرَ في الأبناء ولظهور نجابته واضطلاعه بمهمات الأمور منذ صباه فاكتسب-إضافة إلى دوره الدَّعَوِيِّ والإصلاحي‑حِنْكَةً في التجارة والفلاحة والتسيير حيث أرسله لممارسة التجارة بعين صالح مع أبناء عمه عباس وهو فتى يافع ولما اشتدّ عوده واستوى تزوج ابنةَ شيخه الشيخ سيدي أحمد وسافر معها في رحلة نشاط تجاري وتعليمي إلى بلاد الهقار ثم دولة النيجر حيث افتتح هناك فروعا للزاوية مارست بها حَرَمُهُ السيدة مريم بن الشيخ تعليم القرآن لبنات الجالية الجزائرية هناك مُوَازاةً مع الوظائف الخيرية للزاوية التي كانت مَرتعَ كثيرٍ من القادمين لتلك البقاع لاسيما من جنوب الجزائر(نواحي توات وتدكلت والهقار)
— وفي صدفة ذهبية نادرة بل قَدَرٍ باسِمٍ عام 1969 يلتقي بوالده الحاج عماري في رحلة الحج مع جمع من مشايخ المنطقة وأعيانها فيتجدد هناك العهد ويوصيه بمتابعة الدرب وتمثيل البلدِ بل الوطنِ بحسن السفارة وطيب الصيت ويطلعه على حال الأهل والبلد وحال الزاوية ألأم بها.
وفي النيجر أيضا التقى بأحد علماء دولة باسكتان كان مديرا للمدرسة الإسلامية العربية هناك فكان يتردد عليه مع زمرة من رفاقه من تُجّار إينغر وعين صالح وأولف يحضرون دروسه في النحو وعلوم القرآن والسيرة النبوية بل ألْحَقَ صاحبُ ترجمتنا هذه ابْنَهُ الأكبر عبد الرحمن بتلك بالمدرسة فتتلمذ على الشيخ مدة مكثه هناك وأتقن اللغة الفرنسية والرياضيات في تلك المرحلة الدراسية.
وبعد وفاة والده عام 1980 عاد لأرض الوطن ليخلفه على الزاوية فتحمل مسؤولياتها على الوجه الأتم مستمدّا العون بعد الله تعالى من إخوته وأبناء عُمومته وأبنائه وأهل الرأي والمشورة من عامة أهل المنطقة .
- وفي مطلع هذا العقد خصص مسكنا للغرباء القادمين من بلاد مالي التي حاقت بها أزمة في الأمن والمعيشة آنذاك فكان يوفر لهم وظائف في حقول الزراعة وتربية الماشية وفي البناء واستصلاح الأرض.
— وفي عام 1984 وسع من نشاط الزاوية فاتفق مع بعض آباء الطلبة وقصدوا الشيخ سيدي الحبيب بن مولاي عبد الرحمن بتاسفاوت رحمه الله فأمدهم بأنجب طلبته وهو الشيخ سيدي بلقاسم ليكون مدرسا بالزاوية معلما للقرآن بها وقد وافته المنية شهيدا لكتاب الله عام 2010 في حادث سير وهو عائد من ختمة تلاوة جماعية للقرآن بمدينة زلفانة متوجهاً نحو المنيعة رحمه الله
وهكذا ظلت الزاويةمحط رحال القوافل العابرة والقادمة من إقليم توات إلى ناحية عين صالح والهقار ومختلِفِ نواحي الصحراء الكبرى ومَعْبَرَ استراحةٍ لعابري السبيل والضيف، بل ألقى بها عَصَا التسْيَار عددٌ من العلماء الذين مروا بالمنطقة مثل العلامة سيدي مولاي أحمد الطاهري السباعي والشيخ سيدي عبد القادر ولد سيدي سالم المغيلي والشيخ سيدي محمد الفقيه الرقاني والشيخ سيدي محمد باي بلعالم والشيخ أحمد بن مالك و الفقيه المجاهد العلامة بن الشيخ الحاج امحمد ابن عمة المعني بالترجمة والكثير من أشراف أولف وأعيان شرفاء أولاد سيدي مولاي عبد الله الرقاني قدس الله سره.
ولا تزال مِنْبَرًا دَعَوِيّاً لفضيلة الشيخ مولاي عبد الطاهري وَوِجْهَةً علمية وَعْظيَّةًً منذ ما يقارب الأربعين عاماً إلى يومنا هذا حيث ينزل غيثا برِحابها أسبوعا من ربيع كل سنة يمتد إشعاعُه الفكريُّ والروحي إلى كل أحياء إينغر بل كل ربوع تيدكلت يُشْرٍفُ فيه على ختماتٍ للقرآن ويقدم دروسا في السيرة النبوية والعقيدة والفقه ويتولى عقود القِران في مختلف الأحياء والقرى ويعقد بالزاوية خصوصا مجالسَ للأسئلة والأجْوبة في شتى فنون العلم.
وممن مَـرَّ بها أو تردد عليها من معاصري علمائنا العالم الشيخ بن موسى بن الشيخ ابْنُ خالةِ المترْجَمِ له وصِهْرُهُ والشيخ امحمد بن مالك والشيخ محمد الزاوي وسيدي محمد القايم دفين الساهلة الشرقية والشيخ أحمد ناصر والشيخ أحمد بومعزة المهلالي والشيخ محمد بن موسى الشرويني والشيخ محمد سيدي علي عسالي والشيخ محمد سيدي علي عزي والشيخ الطالب عبد الجبار والشيخ عزي عبد الصادق محمد عبد القادر والشيخ محمد بابكر.
تواضعه وبعض شيمه المميزة له:
مِن أخص شيمه وأخلاقه اسْتِوَاءُ سِرِّهِ و علانيتِه وأنه لم يكن يُذْكَرُ عنده أحدٌ بسوء أو يُنْبَزُ بلقب يكرهه إلا دافع عنه وأسكتً ذاكِرَهُ ولو كان الذاكِرُ رفيعا والمذكور وضيعا بل ولو كان ما نُعِتَ به مَوْجُوداَ فيه حقا، ولم يكن يرضى أن ينفرد اثنان في المجلس بفائدة دون البقية وكان يقطع الحديثَ أو الفائدة إنْ لاحظ خروجا قريباً لأحد الحضور حتى يعود بل ربما انتظر المنشغلَ بهاتفه أو بهمسٍ لمجاوره حتى ينتبه فيتابع الحديث أو يبتدئه.
وكان لا يصافح أحدا جالسا إلا إنْ غلبه مرض أو أعْياه عَجْزٌ وكان يقف للتلسيم على الشريف ويقبل يده ولو كان طفلا صغيرا، ونَهاهُ يوما أحد الشرفاء عن الوقوف لابنه وتقبيل يده فقال له: “صِغَرُ سِنِّهِ لا ينفي عنه الشرف وكبرُ سني لا يمنعني عن مودة الشرف”. ويروي الحاج محمد السهلي الزاوي رحمه قال: دخل على الحاج سيدي علي عماري يوما وفدٌ وزاريٌّ بزاويته وأنا معه وكنت دخلت قبلهم بلحظات فقام وأحسن استقبالهم ثم عاد لجلسته بجانبي كما كان وأخذ يسألني عن أحوال أهلي وصحتي وكأنه لا أحدَ معه غيري، فلما خرجت من عنده صرت أردد هذه القصة مُسْتَدِلّاً بها على تواضعه وكيف اهتم بي فوق اهتمامه بالوفد السامي، فقيل لي إنه يراك أسمى منهم لأنه يُقَدِّرُ فيك أبابكر الصديق رضي الله عنه. فلما وصل تنويهي هذا للحاج سيدي علي وإكباري فعلَه ذاك. قال:” حقا إنه عندي أفضل منهم ولهم عليَّ حق الضيافة” .
وكان يرفض بشدة أن يفاخر أحدٌ أحداً بعرق أو منصب أو لون فيُنْزِلُ الناس منازلهم ولا يرضى للرفيع أن يَغُضَّ من شأن الوضيع وكان دائم النصح ببر الوالدين ولإحسان إليهم وبتعليم الأبناء كتاب الله وبمرافقتهم. وكان يَصِلُ بعض ذوي رحمه بنفقات سرية أو بإقطاع مزارع لإعالة من لا عائل له أو من لا دخل له
رحلاته و وفاته
دولة النيجر – بلاد الهقار –“وبهذين البلدين بنى وأقام مدة من حياته ودرَّس أبناءه – دولة مالي – إقليم توات – منطقة أولف (زاوية مولاي هيبة) وكانت تربطه بشرفاء هذه الزاوية محبة عميقة فقد كان يتردد عليها في صباه مع والده يمكثان الأسابيع لدى وليها الصالح سيدي مولاي عبد الرحمن هيباوي ينهلان من حكمته وبركته– آقبلي وبها فروع من الأنصار أبناء عمته كان مع والده يلتقي عندهم بسيدي الحاج مولاي التهامي التيوريريني سنويا وهي مرحلة للتنوير والتكوين بلقاء الأكابر من الشرفاء والصلحاء والعلماء.
وهكذا ضرب أرقى الأمثلة في خدمة العلم و طلبته وكان ذا حال عجيبة في إكرام الضيف ومحبة ذرية النبي-صلى الله عليه وسلم- وأهل العلم والصلاح فكان يكرمهم أيما إكرام ويتودّدُ إلى معوزيهم في السر بالهدايا وبكل ما يدخل السرور عليهم إلى أن التحق بجوار ربه ليلة الاثنين في السابع والعشرين سبتمبر 2020م مخلفا أبناء صالحين و طلبة مربين وأحفادا وأسباطا وتلامذة ما فتئوا ينهلون من مدرسي الزاوية و المنتسبين إليها من أبنائه وغيرهم رحمه الله ورزقه جوار حبيبه المصطفى عليه أزكى الصوات و أتمُّ التسليمات
له مخطوط في الأنساب و القصبات مما جاء فيه هذه الأبيات : رِجــالٌ صَـدَقُـــواْ
صَـفَـــتِ الـســـرائــــرُ و الْـتَـقَـى الأخْـيَـــارُ و تَـشَـــرَّفَـــتْ بِـخُـطـــاكُـــمُ إنْـغـــــارُ
و تَـمَــايَـلَــتْ أغـصــانُـهــا طَـــرَبــاً و قــــد قـامَــتْ تُـغـــازِلُ وَجْـهـهــا الأقـمـــــارُ
هـــــذي الـــزوَايَـــا فُـتِّـحَــتْ أبْـــــوَابُـهـا لـكــــمُ فـشُــــدّتْ نَـحْــــوَها الأنْـظــــارُ
فـلـنــــا بـكـــمْ فـــــرَحٌ يُـكَـلِّـلُـــهُ الـرِّضَــا هـــذي الـقـلـــوبُ لـكــمْ و تِـلــكـ الــدارُ
و لـنــا بخـيْـــر الـخـلـــق قُــــدْوَةُ حــافِـــظٍ لِـلـضـيْــف حَـقّــا، و الـحـقـــوقُ شِـعَـارُ
الـحــــاجُ عَـمَّـــاري يُـــوَقِّـــــعُ خَـطْـــوَهــا فـي كـــــل قـلـــــبٍ مِـلْــــؤُهُ الإيـثــــارُ
بِـجِـــــوارِهِ نَــــزَلَ الـغـــــريــبُ بِـأهْـلِــــــهِ في آلِ عَــــزّي حَـيْـــثُ عَـــــزَّ الجـــــارُ
مِــن كــــل زاوِيَــــــةٍ يَـسـيـــــرُ أرِيـجُـهــــا عَـبَـقــــاً كــــأنّ حـــروفَـهـــا الأزهـــــارُ
إنّ الـجـــزائــــــرَ أسَّـسَـــــتْ أفْـكـــــارَهـــا بِــــرِجـــالِـهــــا يَــا حَـبَّــــذا الأفـكـــارُ
فـلْـتَـصْـعَــــدُواْ صَـــــــرْحـا بَـنَـــوْهُ لأجـلـنــا و لْـتَـحْـفَـظـــــواْ مــا شـــــاده الأبْــــرارُ
و تَــرَحَّـمُـــواْ فـالصـالِـحُـــونَ جَـــزاؤهــــمْ مِــنْ ربـنــــا الـرحَـمــــاتُ و الأنْــــــــوارُ
ومن الأقوال المأثورة عنه:” لا خُلُقَ أدْنَى من الدنية إلا الرجوعَ من العطية ” ، ” لخديمْ شريكْ في الذمة “،“عجبْتُ من وافر صحة وعقل ينعت نفسه بِعاطل شغل”، “نزاع لا يَحُلُّه قوْلي ولا مالي لا أحضره”، و من وصاياهُ الأخيرةِ لأبنائه:“إكرام الضيف واجبٌ وليس تفضُّلاً “،“وفي هذا المعنى يروي أحدُ أولاده:“هاتفني وأنا خارج البيت صديق يخبرني أنه قادم من أدرار مع أصدقاء له للعَشاء والمَبيت بالزاوية وكنت منشغلا بمرض والدي واستقبال عُوّاده في مرضه الأخير أي قبل انتقاله بأسبوعين فقط وكان المرض قد أجهده كثيرا ففكرت في سري أن أكلف ابْنَ أخي باستقبالهم والقيام عليهم،فلما دخلتُ على أبي-ولم أكن كلمته أو كلمت أحدا بشأن القادمين-ما إنْ جلستُ أمامه حتى خاطبني قائلا:“يا ولدي إن إكرام الضيف واجب لا عذر يمنع عنه”.فقلت لنفسي:“سبحان الله كأنه سمع حديث نفسي” ثم زدت:“إن هؤلاء القوم لم ينالوا ما نالوه من السؤدد بالتعلل والتراخي وكثرة الأعذار وإنما بإنكار الذات وتحري مواطن خدمة الخلق وإرضاء الخالق فهذه رسالة منه ليست للتفرغ لهؤلاء القادمين الليلة فقط بل هي رسالة عامة لانتظار كل قادم ولرعاية جوامع المروءة وسقاية بذروها حتى لا يميتها جفاف الغفلة فتصبح هشيما تذروه رياح الانهماك بمطالب النفوس عن طلب النفائس.
وقصصه مع الكرم الحاتمي بل المحمدي كثيرة لا يتسع لها المقام لكن نكتفي بقصة يرويها بنفسه عن عمه عبد الله المعروف بـ (بله ولد َحَمَّد)أي عم والده يقول كان لهذا العم صديق من شرفاء زاوية أولاد مولاي امحمد لا يفارقه وهو مولاي امحمد بن مولاي عبد القادر وكانت إدارة الاحتلال الفرنسي تطلب منه التخلي عن صداقته وتقول له مستدرجة إياه: إنك رجل من أهل الحل والربط و الصالح العام وهذا الشريف إنما هو من المعدودين للصلح أو للفاتحة وكل ما ترجى فيه بركة الشرفاء وصالح دعائهم فقال لهم:{لأجل هذا أنا مستعد أن أدفع غرامة مالية بقيمة “مية دورو” (خمسة دنانير) وهو ثمن بستان آنذاك، أدفعها غرامة عن كل جلسة أُضْبَطُ فيها معه من طرف أعوانكم أو عيونكم ولن أفرط في رفقته ومصاحبته}.فقال المتحدث الفرنسي:“إن شجاعةً كهذه لا تُكْتَسَبُ إلا من شريفٍ كهذا “
فقال راويها المترجم له في هذه العُجالة:” بمثل هذه المناقب نترنم ونقتدي لعلنا نتشبه بأصحابها فنتحرَّى عظائم الأمور محاولين بلوغ قول القائل :
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ * وتأتي على قدر الكرامِ المَكارمُ
وفي هذه القصة إشارة عظيمة إلى توارثهم محبة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنهم بالنفس والمال تقربا لله تعالى ومُراعاة لنبيه عليه السلام في قرابته.
جعلهم الله ممن قال فيهم:{ مِنَ الْمُومِنِيَن رَِِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الَّلهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَََحْبَهُ ومِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَ مَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً }
و رحمهم الله جميعا و رزقنا اتباع دربهم القويم ونهجهم السليم و جمعنا بهم في مستقر النعيم.
لجنة الأبحاث ونشر التراث التابعة لـ :
“الجمعية الدينية للمدرسة القرآنية بزاوية الحاج عماري إينغر ولاية عين صالح“
تم تحريره بإينغْـر بتاريخ 27 سبتمبر2021
11/11/2022













اترك تعليقاً